English
← كل القصص
رومانسي · INSTORY

على مهلٍ كالموج

◉ 14 مشاهدة▣ 10 قراءة2026-09-27
على مهلٍ كالموج
الفصل الأول: السينما التي أغلقت عينيها عادت مريم إلى رأس الميناء في صباحٍ لا يعرف إن كان يريد أن يمطر أم يكتفي بتلويح الغيوم. كانت النوافذ مفتوحة في الحافلة، ورائحة الملح تدخل من الشقوق، تحمل معها رائحة الحبال المبللة والخبز الساخن من المخبز القريب من المحطة. لم تتغير المدينة كثيراً، وهذا ما أزعجها. المقهى الأزرق ما زال يميل على زاويته، والساعة فوق مبنى البلدية متأخرة أربع دقائق كما كانت دائماً، والبحر يضرب الرصيف بالطريقة نفسها التي كان يضربه بها حين غادرت قبل أحد عشر عاماً. وحده قلبها بدا غريباً عن المكان، كأنها وصلت إلى عنوان قديم ولم تجد في الداخل الشخص الذي كانت عليه. في حقيبتها عقد بيع مبدئي لسينما «المرسى»، ومفتاح صدئ تركته لها جدتها في ظرف أبيض. أمامها واحد وعشرون يوماً لتسليم المبنى إلى شركة تنوي بناء فندق صغير مكانه. لم تكن مريم تريد الفندق، ولا تريد أن تبيع ذكرى طفولتها، لكنها لم تكن تملك مالاً لترميم مبنى لم يدخله أحد منذ سبع سنوات. قالت لنفسها إن البيع ليس خيانة. أحياناً يكون الشيء الذي تحبه قد انتهى، وعليك أن تحترم نهايته. دفعت باب السينما. استقبلها هواء بارد ورائحة غبار وخشب قديم. علقت رائحة المطر في المقاعد المخملية الباهتة. على الجدار، بقيت بقايا ملصق فيلمٍ مصري قديم، نصف وجه بطلة تبتسم وسط شقوق الدهان. جلست مريم في الصف الأخير. من هنا، كانت جدتها تقول، يمكنك أن تراقبي كل الناس من دون أن يعرفوا أنك ترينهم. صعدت إلى غرفة العرض، فوجدت جهاز العرض القديم مغطى بقماش رمادي. فوقه، في مكانٍ لا يصله الغبار، كانت هناك ورقة صغيرة بخط جدتها: إذا عاد الضوء، لا تشغّليه وحدك. ابتسمت مريم رغماً عنها. جدتها كانت الوحيدة التي تستطيع أن تمزح معها بعد الموت. ثم سمعت صوتاً من أسفل الدرج: — لو كنتِ ستبيعين المكان، على الأقل افتحي النافذة قبل أن تتنفسِي هذا الغبار. عرفت الصوت قبل أن ترى صاحبه. كان يوسف واقفاً عند المدخل، يحمل صندوق أدوات بيد وكوبين من القهوة باليد الأخرى. بدا أكبر مما تذكره وأقل شبهاً بالولد الذي كان يركض معها على الرصيف. لحيته قصيرة، شعره أقصر، وعلى إصبعه أثر حرق صغير. لكنه حين رفع حاجبه بالطريقة نفسها التي كان يفعلها كلما فازت عليه في لعبة الورق، عادت السنوات للحظة واحدة إلى الوراء. — سمعت أنك رجعتِ، قال. — المدينة لا تحفظ سراً. — لا. لكنها تحفظ فواتير الناس القديمة. لم يعانقها. ولم تسأله لماذا لم يفعل. كان بينهما تاريخٌ لم يختفِ؛ لكنه صار مثل البحر في يوم شتوي: قريباً بما يكفي لتسمعيه، وبعيداً بما يكفي لتتظاهري أنك لا تنتبهين. رفع صندوق الأدوات. — جدتك طلبت مني أن أصلح جهاز العرض إذا تعطّل. — الجهاز لم يعمل منذ سنوات. — لم تطلب مني أن أصلحه قبل أن يتعطل. أخرجت من الظرف المفتاح الصدئ. نظر إليه، ثم نظر إلى الورقة. — كانت تعرف أنك ستعودين. — كانت تعرف أنني سأبيع. — لا أظنها كانت تعرف ذلك. كان صوته هادئاً، لكن العبارة بقيت في الغرفة بعد أن سكت. الفصل الثاني: صوت الصورة قضيا اليوم التالي في تنظيف غرفة العرض. مريم تمسح الغبار عن الرفوف، ويوسف يفكك جهاز العرض وينثر قطعه فوق قطعة قماش. كانا يتحدثان عن أشياء صغيرة: مطعم السمك الذي أغلق، والشارع الذي صار باتجاه واحد، وابن الجيران الذي يعمل طبيباً في العاصمة. أما الشيء الكبير، فظل بينهما. عند الظهر، علقت قطعة في الآلية. مدّ يوسف يده إلى الترس، فحكّت حافته إصبعه. — لا تزال تصلح الأشياء بيديك، قالت مريم وهي تناوله قطعة قماش. — وأنتِ لا تزالين تعطين النصائح بعد أن يحدث الضرر. — هذه موهبة. — ظننتك أصبحتِ مهندسة صوت. ألم تعلّمي نفسك أن تتنبئي بالأعطال؟ كانت تعمل في تسجيل الصوت للأفلام الوثائقية، وتعرف كيف تجعل جداراً صامتاً يروي حكايته. لكنها لم تخبره أن عملها الأخير انتهى، وأن عرضاً جديداً لم يصل بعد. لم يكن كذباً أن تصمت. لكنه لم يكن الحقيقة كاملة. في المساء، توقف المطر. أدار يوسف الجهاز يدوياً، فصدر منه طقطقة قصيرة، ثم دار البَكَر ببطء. لم يظهر شيء على الشاشة سوى بقعة ضوء مهتزة، ثم خط أبيض، ثم صورة فتاة صغيرة تركض على الشاطئ. كانت مريم. ضحكت فجأة، كأن أحداً فتح نافذة في صدرها. في الفيلم، كانت ترتدي معطفاً أحمر أكبر من مقاسها، وتلوّح لجدتها التي تقف خلف الكاميرا. ثم ظهر يوسف، أصغر بعشر سنوات، يركض نحوها محاولاً سرقة قبعتها. انقلبت الصورة إلى السماء، وسُمع صوتهما يضحكان خارج إطار الكاميرا. لم تستطع مريم أن تضحك هذه المرة. — لم أعرف أن جدتي احتفظت بهذا، قالت. — احتفظت بكل شيء. — حتى بالأشياء التي انتهت. لم ينظر إليها يوسف. أعاد شريط الفيلم ببطء، متفادياً أن يلمس يدها. في اليوم الثالث، عثرا على علبة معدنية مخبأة خلف لوحة خشبية. داخلها بكرات صغيرة، ودفتر ملاحظات، وظرف مختوم باسم مريم. كان خط جدتها واضحاً على الظرف: افتحيه حين تعرفين إن كنتِ ستبيعين المكان. لم تفتحه فوراً. أخذته معها إلى الشرفة المطلة على البحر. كانت الشمس تنسحب خلف الغيوم، تاركة خطاً ذهبياً فوق الماء. كتبت جدتها في الرسالة أنها لم تطلب منها أن تحافظ على المبنى لمجرد أنه قديم. «الأماكن لا تستحق أن نبقيها واقفة إذا لم يعد أحد يريد أن يعيش فيها. لكن قبل أن تقرري، شاهدي البكرات. فيها شيء لا أستطيع قوله لك على الورق.» أخرج يوسف بكرة أخرى من العلبة. — يبدو أن علينا أن نشاهدها. — علينا؟ — أنا وعدت جدتك أن أساعدك في تشغيل الجهاز. — ولم تعدها أن تساعدني في اتخاذ القرار. ابتسم. — لم أكن أجرؤ على ذلك. الفصل الثالث: ما تقوله البكرات على مدى أسبوع، عادا إلى السينما كل مساء. كانا يصلحان بكرة، ثم يشاهدان ما بقي عليها. ظهرت المدينة كما كانت: سوق السمك قبل أن يبتلع الإسفلت أطرافه، عمال الميناء يرقصون في حفل الصيف، أطفال يجرون بين المقاعد، ونساء يخبئن ضحكاتهن خلف الأوشحة عندما ينسى العازف لحنه. لم تكن الأفلام مرتبة. بعضها صامت، وبعضها يحمل أصواتاً مشوشة سجلتها الجدة على شريط منفصل. مريم كانت تضع سماعاتها وتعيد بناء الصوت: ارتطام الموج، بائع ينادي على البرتقال، ضحكة بعيدة، وصفير قطار شحن يمر خلف الميناء. كانت تعرف أن كل صوت له مسافة. صوت قريب، وصوت يختبئ وراء جدار، وصوت لا يعود إلا إذا تركت له وقتاً. في إحدى الأمسيات، ظهرت الجدة في لقطة ثابتة، جالسةً وحدها في الصف الأوسط. لم تنظر إلى الكاميرا مباشرة. «هذه السينما ليست ملكي»، قالت في الفيلم. «هي فقط المكان الذي سمح لي أن أرى الناس وهم ينسون، للحظة، أن عليهم أن يكونوا أقوياء.» سكتت، ثم نظرت إلى العدسة. «مريم، إذا وصلتِ إلى هذه اللقطة، فربما قررتِ أن تبيعي. لا أريدك أن تشعري بالذنب. فقط اسألي نفسك: هل تريدين أن تبيعي لأنك لم تعودي تحبين المكان، أم لأنك تخافين أن تحبيه ثم تفقديه مرة أخرى؟» انتهى الشريط قبل أن تجيب الجدة. أطفأ يوسف الجهاز. بقي ضوء الممر يتسلل من تحت الباب. — لا أريد أن أتخذ قراراً لأرضي ميتة، قالت مريم. — جيد. — ولا أريد أن أتخذ قراراً لأرضيك أنت. — أفضل. — هل لديك إجابة لكل شيء؟ — لا. لكنني أعرف أن السينما تستطيع أن تصبح أكثر من غرفة تعرض أفلاماً. تسجيلات، عروض صغيرة، ورش للصوت. مكان للمدينة، لا متحف لها. — ومن سيدفع؟ — لا أعرف بعد. — هذا ليس جواباً مطمئناً. — لم أقل إنه مطمئن. قلت إنه ما أعرفه. كان يوسف قد بقي في المدينة حين غادرها الجميع تقريباً. لم يكن لأنه لم يحلم بالمغادرة، بل لأنه اختار أن يدير استوديو صغيراً لإصلاح أجهزة الصوت وتسجيل حكايات البحارة القدامى. لم يرَ ذلك تضحية. كانت حياته، بكل ما فيها من صعوبات ووجوه مألوفة. — لماذا لم تأتِ إلى العاصمة؟ سألت مريم. — فكرت في ذلك. — ولماذا لم تفعل؟ — مرضت أمي. وبعدها لم أعد أريد أن أبدأ من الصفر في مكان لا يعرف اسمي. ربما كان هذا خوفاً. وربما كان اختياراً. لم أحسم الأمر حتى الآن. — كنت أظن أنك بقيت لأنك غاضب مني. ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. — كنت غاضباً حين غادرتِ. ثم اكتشفت أن الغضب لا يدفع الإيجار ولا يصلح مكبر الصوت. — لم أكن أعرف أنك غضبت. — لم أسألك أن تعرفي. أنتِ كنتِ في التاسعة عشرة، وكان عليك أن تذهبي. وأنا كنت في الحادية والعشرين وأظن أن الصمت طريقة ناضجة لحماية نفسي. لأول مرة، لم يدافع أي منهما عن النسخة القديمة من قصتهما. قالت مريم: — كنت أتمنى أن تقول لي: ابقي. — وكنت أتمنى أن تقولي: أريدك أن تطلب مني ذلك. نظرا إلى بعضهما. لم تكن العبارة اتهاماً. كانت حقيقة صغيرة، متأخرة، لكنها لم تصل متأخرة تماماً. الفصل الرابع: عرضٌ لا ينتظر في اليوم الثاني عشر، وصل ممثل الشركة إلى السينما ومعه نسخة نهائية من عقد البيع. كان مهذباً، يرتدي معطفاً أنيقاً، ويتحدث عن «تطوير الواجهة البحرية» و«الفرص الجديدة». عرض مبلغاً يزيد على الاتفاق الأول، وتعهد بإضافة قاعة صغيرة تحمل اسم الجدة. كان العرض منطقياً. أفضل مما توقعت مريم. كافياً لتسديد ديون البيت، وبدء صفحة جديدة، وربما شراء شقة صغيرة في العاصمة. غادر الرجل تاركاً العقد على الطاولة. قرأته مريم كاملاً. لم يكن هناك فخ واضح. لم تكن الشركة شريرة. كانت تريد الأرض، ولديها خطة، ولا ترى سبباً للاحتفاظ بمبنى متداعٍ لم يعد يدرّ دخلاً. وجدها يوسف تقف في الشرفة، والعقد مطوي في يدها. — يبدو أنهم حسّنوا العرض. — كثيراً. — هذا جيد. تطلعت إليه، تبحث عن خيبةٍ يخفيها. لكنه لم يعطها ذلك. لم يكن يريد أن يربطها بمكان لا تختاره، ولا أن يجعل حبها له نوعاً من الدين. — إذا بعتِ، لن أعتبر ذلك خيانة، قال. ولن أطلب منك أن تبقي من أجلي. — وماذا تريد؟ — أريد أن يكون قرارك لك، حتى لو كان القرار الذي لا يعجبني. كانت هذه أول مرة تشعر فيها مريم أن أحداً لا يحاول إنقاذها من اختيارها. وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي استطاعت فيها أن ترى يوسف بوضوح، لا بوصفه الفتى الذي تركته، بل الرجل الذي تعلّم ألّا يحوّل الحب إلى قيد. في تلك الليلة، عادت إلى البكرات. قلبت دفتر جدتها حتى وصلت إلى صفحة فيها قائمة أسماء: نجار، خياط مقاعد، كهربائي، صاحبة المخبز، مدرسة الموسيقى، فريق شباب الحي. بجوار كل اسم ملاحظة قصيرة: «يستطيع أن يساعد»، «يحتاج إلى أجر»، «لا تقل له إنني طلبت». لم تكن الجدة تملك خطة سرية لإنقاذ السينما؛ كانت تجمع، على طريقتها، دليلاً على أن المكان لم يكن لها وحدها. توقفت عند صفحة أخيرة، عليها رسم تقريبي لقاعة العرض، وتحته كلمات بخط مختلف. خط يوسف. إذا عادت مريم، لا تخبرها أن هذه كانت فكرتي. اتركها تختار. رفعت رأسها إليه. كان ينظف جهاز العرض في الغرفة الأخرى. — هل كتبتَ هذا؟ — قبل سنوات. جدتك أعادت كتابة العبارة بطريقتها. — لماذا لم تقل لي؟ — لأنني لم أكن أريد أن أجعلك تشعرين بأن عليك أن ترثي حلمي أيضاً. لم تكن تعرف ماذا تقول. وضعت الدفتر على الطاولة، واقتربت منه. بينهما مسافة قصيرة، لكنهما لم يختصراها بسرعة. كانت هناك أسئلة لم تُسأل، وحياةٌ عاشها كل منهما بعيداً عن الآخر، وأيام لا يمكن استعادتها. لم يكن الحب قادراً على محوها، ولم يكن عليه أن يفعل. قال يوسف: — مريم، لا أريد أن أكون سبب بقائك. — أعرف. — ولا أريد أن أكون سبب عودتك إلى شيء لا تريدينه. — أعرف. — إذن لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ — لأنني أحاول أن أتذكر إن كنتَ دائماً بهذا القدر من الحكمة. — لا. كنت أرتكب أخطاء أكثر. ضحكت. هذه المرة، لم يكن في ضحكتها شيء من الحنين وحده. الفصل الخامس: ليلة العرض لم تقبل مريم العقد، ولم ترفضه. طلبت مهلةً قصيرة، ثم ذهبت إلى البلدية بصحبة يوسف. عرضت عليهم خطة صغيرة: تشغيل السينما ثلاثة أشهر على سبيل التجربة، بتمويل محدود من تبرعات التجار، وبرنامج عروض وورش تسجيل للأرشيف المحلي. إن لم ينجح المشروع، ستبيع. لم تطلب إعفاءً خاصاً، بل فرصةً واضحة المعايير. لم يوافق المجلس فوراً. احتاج الأمر إلى توقيعات، وشروط سلامة، وفحص تمديدات الكهرباء، وإعادة ترميم مخارج الطوارئ. كانت الخطة أقل رومانسية مما تخيلت، وأكثر كلفة مما أرادت. لكنها كانت قابلة للتنفيذ. في الأسبوع التالي، تحولت السينما إلى ورشة. النجار أصلح المقاعد، والكهربائي أعاد تمديد الأسلاك، وصاحبة المخبز أحضرت صواني فطائر للمتطوعين. عاد الناس إلى المبنى لا ليتذكروا فقط، بل ليروا إن كان بوسعهم فعل شيء فيه. مريم ويُوسف عملا جنباً إلى جنب، وأحياناً في صمت. كانت تلتقط الأصوات الجديدة: المطرقة على الخشب، فرشاة الدهان على الجدار، ضحكة طفل يختبر المقعد، واحتكاك شريط الفيلم داخل جهاز العرض. في كل ليلة، كانا يغلقان الباب معاً، ثم يسيران إلى البحر من دون أن يخططا لذلك. لم يتحدثا عن الحب. تحدثا عن الأفلام الرديئة التي يحبانها، وعن الأغاني التي يحرجان من الاعتراف بها، وعن مدنٍ لم يزوراها. مرةً، أخبرها يوسف عن أمه وكيف كانت تستمع إلى نشرات الطقس قبل أن تقرر موعد غسيل الثياب. أخبرته مريم عن أول فيلم وثائقي سجلت صوته، وعن المرة التي اضطرت فيها إلى تسجيل صمت غرفةٍ بعد أن غادرها أصحابها. — هل يمكن تسجيل الصمت؟ سأل. — طبعاً. الصمت ليس فراغاً. هو كل ما بقي بعد أن انتهى الصوت. نظر إليها طويلاً. — أظنني فهمت ذلك متأخراً. — وأنا أيضاً. جاءت ليلة العرض الأولى مع مطر خفيف. لم تكن السينما قد اكتملت. بقيت بقعة دهان قرب المخرج، وكان أحد مكبرات الصوت يطنّ إذا ارتفع الصوت. لكن المقاعد عادت إلى مكانها، والستارة غُسلت، وجهاز العرض دار من دون أن يتوقف. حضر أهل المدينة، وبعضهم جاء قبل الموعد بساعة. جلست امرأة مسنة في الصف نفسه الذي جلست فيه الجدة في التسجيل. أحضر طفل كرسياً من البيت لأنه لم يجد مقعداً في المقدمة. ووقف خباز الحي قرب الباب يوزع فطائره على من نسي أن يتعشى. عرضت مريم مجموعة من بكرات الجدة بعد أن رممت صوتها. لم تجعلها تحفةً مثالية؛ أبقت في التسجيل أنفاساً، وتشويشاً، وحتى ضحكةً وقعت في غير وقتها. أرادت للناس أن يسمعوا المدينة كما كانت، لا كما يتمنون أن يتذكروها. عندما ظهرت جدتها على الشاشة وقالت: «هذه السينما ليست ملكي»، لم يتحرك أحد في القاعة. ثم انطفأت الصورة للحظة. تجمدت مريم. كان العطل الذي خشياه طوال الأسبوع قد حدث. نهض يوسف بهدوء، صعد إلى غرفة العرض، وعدّل البكرة. عاد الضوء إلى الشاشة. لم يصفق أحد؛ لم يكن ذلك عرضاً مسرحياً. لكن امرأة في الصف الأول مسحت دمعة، ورجلٌ عجوز قال بصوت مسموع: «كنت أعرفها.» بعد العرض، بقي الاثنان في القاعة الفارغة. رائحة المطر تسللت من الباب المفتوح، واختلطت برائحة القماش النظيف والغبار الذي لم يختفِ تماماً. قال يوسف: — هل قررتِ؟ نظرت مريم إلى المقاعد، ثم إلى الضوء الدائري الصغير المنطفئ على الشاشة. — سأبقى حتى نهاية الأشهر الثلاثة. — هذا قرار السينما. — وبعدها سأرى. — وهذا قرارك. ابتسمت. — بدأت تتعلم. الفصل السادس: ما تختاره الأمواج انتهت الأشهر الثلاثة، ولم تتحول السينما إلى معجزة. احتاج المبنى إلى مال أكثر، وتعثرت بعض العروض، وغادر المتطوعون حين عاد موسم العمل. لكن القاعة استقبلت جمهوراً كافياً لتثبت أن المكان لم يمت. وافقت البلدية على منحة ترميم جزئية، وبدأت مؤسسة ثقافية صغيرة تفاوض على استئجار غرفة العرض للأرشيف الصوتي. أما مريم، فلم تُلغِ حياتها في العاصمة. احتفظت بعملها المستقل، واستأجرت غرفة فوق السينما، وصارت تسافر حين يتطلب المشروع ذلك ثم تعود. لم يكن بقاؤها قفزةً في الظلام. كان قراراً يُعاد اختياره كل شهر. في مساء آخر من أمسيات الصيف، وقفا عند الرصيف نفسه الذي كانا يركضان عليه وهما صغيران. كان البحر هادئاً، لكن الموج لم يتوقف عن الوصول والانصراف. قالت مريم: — أظنني كنت أنتظر أن أشعر أنني عدت إلى البيت. — وهل شعرتِ؟ — ليس تماماً. أشعر أنني أبنيه من جديد. لم يقل يوسف إن البيت يمكن أن يكون شخصاً. لم يحاول أن يجعل اللحظة أجمل مما هي عليه. فقط مد يده، ووضعها إلى جانب يدها على السور الحجري. لم يلمسها مباشرة، لكنه ترك لها المسافة كي تختار. نظرت إلى يده. إلى الندبة الصغيرة على إصبعه، وإلى الوقت الذي لم يعد بإمكانهما استعادته. ثم حرّكت يدها حتى استقرت بين أصابعه. — لا أريد أن نعود إلى ما كنا عليه، قالت. — وأنا لا أريد ذلك. — أريد أن أعرف من نكون الآن. — أستطيع أن أبدأ من هنا. لم تكن قبلة تشبه نهايات الأفلام القديمة. لم يركض أحد تحت المطر، ولم تعزف فرقة موسيقية في شارع فارغ. اقتربا ببطء، وتبادلا قبلةً قصيرة، فيها ترددٌ ودفء، كأنهما يتركان للغد مساحةً كي يجيب. في صباح اليوم التالي، كان يوسف في السينما قبلها. وجد على الطاولة كوبين من القهوة، وعلى جهاز العرض ورقة صغيرة بخط مريم: إذا عاد الضوء، لا تشغّله وحدك. رفع عينيه نحو الباب. كانت تقف هناك، تحمل كيساً من الخبز وابتسامة لا تحاول إخفاءها. لم تعد المدينة كما كانت. ولم يعودا هما كما كانا. لكن هذا لم يكن سبباً للخوف. بعض الأشياء لا تعود إلى مكانها القديم. إنها تجد مكاناً جديداً، على مهلٍ، كالموج.

💬 التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقًا.

استمتع بالقراءة← قصة أخرى