English
← كل القصص
رعب · INSTORY

التردد الملعون

◉ 10 مشاهدة▣ 9 قراءة2026-10-01
التردد الملعون
الفصل الأول: القبو كان المطر ينهمر بغزارة على نوافذ المبنى الإذاعي المهجور، كأن السماء نفسها تبكي على ماضي هذا المكان الذي كان يوماً ينبض بالأصوات والموسيقى. آدم وقف عند باب القبو الخشبي المتعفن، مصباح يدوي في يده، وقلبه يدق بسرعة غير معتادة. منذ ثلاث سنوات وهو يبحث عن أجهزة راديو صمامية قديمة، لكن هذا المبنى كان بمثابة كنز مدفون. نزل الدرجات بصعوبة. الهواء ثقيل برائحة العفن والصدأ. في الزاوية البعيدة، تحت طبقة سميكة من الغبار، لمح صندوقاً خشبياً. فتحه برفق، فظهر أمامه راديو صمامي من طراز 1974، يحمل شعار محطة الإذاعة المحلية القديمة. الصمامات ما زالت لامعة رغم الزمن، والقرص الدوار يبدو سليماً. ابتسم آدم. "أخيراً... شيء حقيقي". حمل الجهاز إلى ورشته الخاصة في الطابق العلوي، المكان الذي حوله إلى أستوديو صغير مليء بالأجهزة القديمة والكابلات. قضى الليل كله في تنظيفه، استبدال الأسلاك التالفة، واختبار الصمامات. عند الفجر، وصل الجهاز بالكهرباء. انبعث صوت طقطقة خفيفة، ثم همهمة منخفضة. أدار القرص ببطء عبر النطاقات المعتادة... لا شيء. ثم تجاوز النهاية المعروفة. فجأة، استقر المؤشر على تردد غريب: 87.3 ميجاهرتز... خارج كل المعايير. ثم جاء الصوت. همسة معدنية، باردة، كأنها تخرج من أنبوب صدئ: «سارة منصور... 15 مارس 2023... الساعة 03:17». توقف آدم. قلبه تجمد. سارة منصور كانت جارته. ماتت في حادث سيارة في ذلك التاريخ بالضبط، في تلك الساعة. «خالد العلي... 22 يوليو 2024... الساعة 11:45». خالد... صديقه القديم الذي انتحر. بدأ الجهاز يسرد أسماءً وتواريخ، واحداً تلو الآخر، كلها دقيقة. آدم شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. حاول إطفاء الجهاز، لكن المفتاح لم يستجب. الصوت استمر. ثم جاء الاسم الذي جعله يسقط على الكرسي: «آدم ناصر... 2 أكتوبر 2026... الساعة 02:47». الغد. الساعة 02:47. الفصل الثاني: الهمسات لم ينم آدم تلك الليلة. جلس أمام الراديو، يسجل كل اسم على دفتره. كلما حاول فصل الكهرباء، يعود الجهاز للعمل من تلقاء نفسه. الهمسات أصبحت أوضح، وكأنها تقترب منه. «أنت تسمعنا الآن... نحن نراك». صوت جديد، أعمق، متعدد الطبقات. كأن عدة أصوات تتحدث معاً من خلال أنبوب واحد. rememبر آدم أن المبنى كان مسرحاً لحادثة غامضة في السبعينيات. مذيع شاب اختفى أثناء بث ليلي، ولم يُعثر عليه أبداً. قيل إنه كان يجرب ترددات تجريبية. أخرج هاتفه وبحث في الأرشيفات القديمة. وجد مقالاً نادراً: "التردد الملعون... أسطورة إذاعية عن موجة تبتلع الأرواح". في الساعة الثالثة فجراً، توقف البث فجأة. ساد صمت خانق. ثم سمع خطوات في الممر الخارجي. بطيئة. معدنية. فتح الباب... لا أحد. لكن على الأرض كانت آثار أقدام مبللة، تنتهي عند عتبة الأستوديو. عاد إلى الراديو. المؤشر يتحرك من تلقاء نفسه، يتوقف على التردد نفسه. «الوقت ينفد، آدم. البث الأخير يقترب». الفصل الثالث: المعبر مع اقتراب الساعة الثانية صباحاً من اليوم التالي، بدأ الجهاز يصدر أصواتاً جديدة. ليس همسات فقط، بل صرخات مكتومة، وأصوات أجهزة قديمة تدور. شاشة صغيرة على الراديو (لم تكن موجودة أصلاً) أضاءت فجأة، تظهر مشاهد مشوشة: غرف مظلمة، وجوه باهتة تحدق في الكاميرا، وأيدي تمتد من الظلام. آدم حاول تحطيم الجهاز بمطرقة. المطرقة ارتدت كأنها اصطدمت بجدار من الفولاذ. الصمامات توهجت بلون أحمر دموي. «لا يمكنك إيقاف الاستدعاء. نحن نحتاج إلى صوت جديد». فهم آدم أخيراً. الراديو ليس مستقبلاً. إنه بوابة. كل اسم يُتلى هو استدعاء. وكل من يُستدعى يصبح جزءاً من البث الأبدي. حاول الهروب من المبنى. الأبواب مغلقة بإحكام. النوافذ محاطة بضباب أسود يتحرك كأنه حي. هاتفه لا يجد إشارة. الساعة تشير إلى 02:30. عاد إلى الأستوديو. على الطاولة وجد شريطاً صوتياً قديماً لم يكن موجوداً من قبل. وضعه في المسجل. صوت المذيع المختفي عام 1974: «إذا سمعت اسمك... فقد فات الأوان. التردد لا يبث الموت... بل يدعوه». الساعة 02:45. الهمسات ارتفعت إلى صراخ جماعي. الأسماء تتوالى بسرعة جنونية. ثم توقف كل شيء. صوت واحد فقط بقي: «آدم ناصر... حان وقتك». الراديو انفتح من تلقاء نفسه. ضوء أبيض باهر خرج منه. آدم شعر بجسده يُسحب. حاول المقاومة، لكن يداً باردة أمسكت بكتفه من الخلف. آخر ما رآه قبل أن يختفي الضوء... وجهه هو، يبتسم من داخل الشاشة الصغيرة، وهو يهمس بالاسم التالي. الخاتمة في صباح اليوم التالي، وجد العمال الذين جاءوا لهدم المبنى الأستوديو فارغاً. الراديو الصمامي كان يعمل، يبث همسات خافتة. على الدفتر الذي تركه آدم، كانت هناك قائمة طويلة من الأسماء... وآخرها مكتوب بخط مختلف تماماً: «القارئ... التاريخ والساعة... قريباً جداً». الجهاز ما زال يعمل حتى اليوم. وإذا مررت قرب المبنى المهجور في ليلة عاصفة، قد تسمع همسة معدنية تنادي باسمك. لا تقترب. لا تستمع. فالتردد الملعون لا ينتهي أبداً.

💬 التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقًا.

استمتع بالقراءة← قصة أخرى