English
← كل القصص
أكشن · INSTORY

آخر قطار إلى الميناء

◉ 10 مشاهدة▣ 7 قراءة2026-09-27
آخر قطار إلى الميناء
الفصل الأول: صافرة في المطر لم تكن ليان تحب الأصوات التي تأتي بعد منتصف الليل. كان في وسعها احتمال صفير الريح، وارتطام المطر بالزجاج، وحتى صوت مولّد الكهرباء القديم في ورشتها. لكن الطرقات الثلاث على الباب، متباعدة ومتساوية، جعلت يدها تتوقف فوق مفتاح الربط. ثلاث طرقات. ثم صمت. أطفأت المصباح. بقيت لحظةً لا ترى سوى انعكاس وجهها في النافذة: عينان يقظتان، شعر مبلل من المطر، وخط رفيع من الزيت على خدها. وضعت المفتاح في جيب سترتها، وسارت إلى الباب من دون أن تصدر حذاؤها صوتاً. جاءتها طرقة رابعة، أعقبها صوت تعرفه أكثر مما تريد. — ليان… افتحي. أنا سامر. فتحت الباب مقدار شبر. كان أخوها الأصغر يلهث، ودم يسيل من حاجبه إلى ياقة قميصه. أمسك بيدها ودفع نفسه إلى الداخل، ثم أغلق الباب بكتفه. — هناك رجال في الشارع، قال. معهم صورة لك. — من هم؟ — لا أعرف. لكنهم أخذوا الصندوق. تغير وجهها. الصندوق الذي قصده لم يكن معدناً ولا خشباً. كان وحدة تخزين صغيرة أخفاها سامر قبل ساعات، بعد أن عثر عليها في مستودع شركة «أفق» للشحن. كان يقول إن فيها سجلات حمولة مزورة. ليان لم تصدقه تماماً؛ فالشركات الكبيرة تزوّر أشياء كثيرة، لكن أخاها لم يكن يركض في المطر بوجه دامٍ من أجل فاتورة. — أين الصندوق الآن؟ — أخذوه. لكنني نسخت الملفات على بطاقة ذاكرة. هي في… انطفأت الأنوار. في الظلام، سمعت ليان صوت باب الورشة الخلفي وهو يُخلع من مفاصله. أمسكت بذراع سامر، وسحبته نحو فتحة الصيانة تحت طاولة المحرك. انزلقتا إلى الممر الضيق، ثم أغلقت الغطاء فوقهما. بعد ثانية، تدفق ضوء مصباح قوي إلى الورشة. تبعه وقع أحذية ثقيلة. — فتشوا المكان، قال رجل بصوت هادئ. الفتاة معها النسخة. لم تكن ليان بحاجة إلى رؤية وجهه كي تعرف صاحب الصوت. رائد منصور، مدير الأمن السابق في شركة أفق. رجل يبتسم في الصور الرسمية كما لو أنه يعرف سراً لا يعرفه أحد. انتظرت حتى ابتعدت الخطوات عن الطاولة، ثم فتحت باب الممر. خرجت أولاً، وأشارت لسامر أن يبقى. كان لديها مسدس قديم لا تثق به، وذراعان تعرفان كيف تفككان آلة وتعيدان تركيبها؛ أما القتال، فلم تتعلمه إلا حين لم يعد أمامها خيار. في نهاية الورشة، كان أحد الرجال يفتش الأدراج. ضربت ليان مفتاح الكهرباء الاحتياطي. أضاءت شرارة زرقاء عند لوحة معطوبة، فالتفت الرجل غريزياً. اندفعت نحوه، وضربت معصمه بمفتاح الربط. سقط سلاحه، ودفعته بكتفها إلى رف الأدوات. لم تنتظر لترى إن كان سينهض. — الآن! صاحت. خرجا من الباب الخلفي إلى زقاق غارق بالماء. كانت سيارة سوداء تسد طرفه، ورجلان يترجلان منها. لم يبقَ سوى طريق واحد: نحو محطة القطار القديمة. ركضا. الفصل الثاني: المدينة التي لا تنام انطلقت سيارة خلفهما، تشق البرك وترسل الماء على الجدران. قفزت ليان فوق حاجز منخفض، وتبعتها بين عربات السوق المغلقة. كان سامر أبطأ مما ينبغي، لكنه رفض أن يترك يدها. — البطاقة؟ سألت وهي تركض. — في بطانة سترتي. — ماذا عليها؟ — جدول قطارات وشحنة اسمها «المدار». الليلة. الميناء. — هذا كل شيء؟ — وفي آخر الملف تسجيل صوتي. قبل أن تسأله، دوّى صوت رصاصة وتهشم مصباح شارع أمامهما. غيّرت ليان اتجاهها إلى ممر ضيق بين مبنيين. السيارة لم تستطع الدخول، لكن الرجلين واصلا المطاردة على الأقدام. وصلت إلى ساحة سوق السمك، حيث كانت صناديق الثلج الفارغة مكدسة تحت مظلة معدنية. أشارت إلى سامر أن يختبئ، ثم دفعت عربة يدوية بقوة. تدحرجت العربة في طريق المطاردين واصطدمت بساق أحدهما. تعثر، فالتفت الثاني إليه لحظة. كانت اللحظة كافية لتصعد ليان سلّماً حديدياً إلى سطح السوق. — ليان! صاح سامر من الأسفل. مدت يدها إليه. صعد بصعوبة، ثم تابعا الركض فوق أسطح منخفضة متصلة بممرات الخدمة. خلفهما، ظهر ضوء مصباح يتأرجح. لم يكن المطاردون بعيدين. عند حافة السطح الأخير، لم يكن هناك جسر إلى المبنى التالي. كان يفصل بينهما شارع ضيق، وأسفله حافلة ليلية تقترب ببطء. قفزت ليان أولاً، وسقطت على سقف الحافلة وهي تتدحرج. صرخ الركاب. لحقت بها يد سامر، فسحبته إلى الأعلى قبل أن يفقد توازنه. توقفت الحافلة بعنف عند الإشارة التالية. — انزلا! صرخ السائق. لم تجادله ليان. قفزت إلى الرصيف، ثم أمسكت بسامر وسحبته إلى مدخل محطة القطار. في الداخل، كانت شاشة المواعيد تومض: القطار 17 إلى الميناء — يغادر بعد 38 دقيقة. قال سامر وهو يحاول استعادة أنفاسه: — إذا وصلنا إلى القطار، نقدر نرسل الملفات من المحطة. — وإذا لم نصل؟ — رائد يصل أولاً. كانا يعرفان ما يعنيه ذلك. لم يكن الأمر يتعلق بفضيحة شركة. في التسجيل، سمع سامر مسؤولين يتحدثون عن شحنة أسلحة مخبأة بين معدات إنقاذ بحرية، وعن خطة لتفجير مستودع في الميناء وترك الدليل قرب حدود المدينة المجاورة. إذا نُفّذت الخطة، فستبدو الحادثة هجوماً متعمداً، وقد تبدأ مواجهة لا يستطيع أحد إيقافها. على الرصيف، كانت مجموعة من العمال تدفع عربة شحن. بين الصناديق، لمحَت ليان ملصق «المدار» نفسه الذي وصفه سامر. القطار لم يكن مجرد وسيلة هرب؛ كان هو الشحنة. ثم ظهر رائد عند المدخل، بلا عجلة ولا مظلة. خلفه أربعة رجال. — أعيدي البطاقة يا ليان، قال. لا داعي لأن يتأذى أحد آخر. تقدمت خطوة، لتمنح سامر وقتاً كي يبتعد عن الرصيف. — كان عليك ألا ترسل رجالك إلى ورشتي. — وكان عليك ألا تظني أن الورش تستطيع إصلاح كل شيء. ابتسمت ابتسامة صغيرة. — لا. لكنها تستطيع تعطيله. سحبت ذراع الطوارئ الحمراء إلى جانب لوحة الإشارات. انطلقت صفارة الإنذار، وهبط حاجز معدني بين الرصيف والمدخل. اندفع رجال رائد نحوه. وفي الفوضى، قفز سامر إلى عربة الشحن ودفعها باتجاه القطار. الفصل الثالث: فوق القضبان تحرك القطار قبل أن تغلق أبوابه تماماً. ركضت ليان على الرصيف، وقبضت على المقبض الخارجي لآخر عربة. انزلقت قدماها فوق الأرض المبللة، لكن أصابعها تشبثت بالمعدن. رفعها الزخم عن الأرض، فتعلقت بجانب القطار حتى وصلت إلى السلم الخلفي. في الداخل، كان سامر يطرق الزجاج بقبضته. فتح الباب وسحبها إلى العربة، ثم سقطا معاً على أرضية الممر. — البطاقة؟ سألت. أخرجها من بطانة سترته. كانت سليمة. — علينا إرسالها الآن. وجدت ليان وحدة اتصال صغيرة في مقصورة السائق الخلفية. لم يكن الجهاز مصمماً للإرسال أثناء الحركة، لكن معدات القطارات القديمة تحتفظ أحياناً بمنافذ لا يعرف عنها أحد. ركّبت البطاقة، وبدأت عملية الرفع إلى شبكة الطوارئ البلدية. الوقت المتبقي: 11 دقيقة. اهتز القطار. لم تكن هزة المسار المعتادة. سمعا وقع أقدام على السقف. فتح سامر الباب الجانبي بحذر. لمحَت ليان ظلاً يتحرك فوق العربة، ثم ضوءاً أحمر عند المفصل بين العربتين. عبوة صغيرة مثبتة على القفل. — ابتعد! صاحت. قفزا إلى العربة التالية قبل أن تنفجر العبوة. ارتج القطار، وانفصلت وصلة الباب، فتدفق الهواء البارد إلى الممر. ظهر رجل على السقف، ممسكاً بحافة الفتحة. أمسك بكتف سامر وجذبه إلى الخلف. تعلقت ليان بحزام الرجل، وضربت مرفقه بمفتاح الربط. أفلت سامر، لكنه سقط على ركبتيه. دار الرجل ليواجهها. لم يكن هناك مكان للمراوغة؛ نافذة على جانب، وممر ضيق من الجهة الأخرى. انخفضت ليان تحت ذراعه، ودفعت كتفها إلى صدره. ارتطم ظهره بالباب، وانفتح جزء منه. تشبث الرجل بالحافة، فمدت يدها وأمسكت بكمّه. — ساعديني! صرخ. ترددت ليان جزءاً من الثانية. لم تكن تريد أن تقتله. سحبته إلى الداخل، وضربته بركبته في بطنه، ثم كبّلت يديه بحزام حقيبته. — لا تخلط بين إنقاذ حياتك ومسامحتك، قالت. لم يمض وقت طويل حتى ظهر رائد عند نهاية الممر. كان يحمل جهاز تفجير صغيراً، ووجهه خالٍ من الابتسامة. — أعطيني البطاقة. — لم تعد معي. نظر إلى وحدة الاتصال في المقصورة. تقدم خطوة، ثم سمع صوت سامر خلفه: — انتهى الأمر يا رائد. الملفات تُرسل. التفت رائد. كان سامر يمسك بباب العربة، واقفاً بينه وبين ليان. ضغط رائد زر الجهاز. لم يحدث شيء. لأن ليان، قبل دقائق، فصلت بطارية الإرسال الاحتياطية حين أعادت توصيل الأسلاك. رائد حدق في الجهاز، ثم فيها. — أنتِ لا تعرفين ما الذي ستطلقينه، قال. — أعرف تماماً. الحقيقة. اندفع نحوهما. اصطدمت ليان به، فارتطما بالجدار. أفلت الجهاز وتدحرج تحت المقاعد. حاول رائد الوصول إليه، لكن سامر ضربه بباب المقصورة. تشابكا قرب النافذة المفتوحة، والقطار يهتز تحت أقدامهما. أمسكت ليان بمعصم رائد قبل أن يسقط إلى الخارج. تدلت ذراعه فوق القضبان، بينما كان يصرخ طالباً أن ترفعه. كان بوسعها أن تتركه. لكنه كان سيظل قادراً على إيقاف الإرسال إن نجا بطريقة أخرى. شدته إلى الداخل، وأسقطته أرضاً، ثم وضعت ركبتها فوق ذراعه حتى وصل سامر وربط يديه. على شاشة وحدة الاتصال، تحولت نسبة الإرسال من 92% إلى 100%. الفصل الرابع: آخر محطة بعد دقائق، ظهرت أضواء الميناء خلف المطر. كان القطار يقترب من المحطة النهائية، والعمال يخلون الأرصفة بعدما وصلهم تحذير الطوارئ. في البعيد، ارتفع دخان أسود من مستودع جانبي؛ اشتعلت إحدى العبوات مبكراً، لكن فرق الإطفاء كانت في طريقها. وصلت الشرطة إلى الرصيف قبل أن يفتح القطار أبوابه. خرجت ليان أولاً، ويداها مرفوعتان كي لا يسيء أحد فهم المشهد. تبعها سامر، ثم أخرج رجال الأمن رائد مكبل اليدين. لم يصفق أحد. لم تهدأ العاصفة. ولم تتحول المدينة فجأة إلى مكان آمن. لكن على شاشة هاتف أحد الضباط، كانت الملفات تصل إلى الصحفيين والنيابة العامة في اللحظة نفسها. لم يعد بالإمكان إخفاء الشحنة أو التسجيل أو الخطة. وقف سامر إلى جانب أخته، ووضع معطفه على كتفيها. — كنتِ تعرفين أنني سأعود، قال. — كنت أعرف أنك ستتسبب بمشكلة كبيرة. ضحك، ثم كتم الألم في ضلعه. نظرت ليان إلى القطار الذي وصل أخيراً، وإلى القضبان اللامعة تحت المطر. عادت إليها ذكرى ليلة قديمة، حين غادرت المدينة وحيدة، مقتنعة بأن النجاة تعني الابتعاد. أما الآن، فقد فهمت أن بعض الطرق لا تقود إلى مكان جديد؛ إنها تعيدك إلى ما تركته خلفك، لتقرر إن كنت ستواجهه هذه المرة. دوت صافرة القطار الأخير في الميناء. وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تشعر ليان بأنها متأخرة عن شيء.

💬 التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقًا.

استمتع بالقراءة← قصة أخرى