الفصل الأول: الإنذار الذي لم يكن يجب أن يصل
عند الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، اهتز هاتف رَوان مرتين فوق طاولة المطبخ.
لم يكن الاهتزاز هو ما أيقظها. كان صوت الماء.
في الخارج، انحدر المطر من سفوح الجبال كأن السماء فتحت باباً ظل مغلقاً أعواماً. وفي الأسفل، كانت مدينة الوادي تلمع تحت العاصفة: شوارعها ملتوية بين التلال، ونهرها الرفيع يشقها من الطرف الشمالي إلى السد القديم.
ظهر على الشاشة تنبيه أحمر:
فشل في بوابة التصريف الثالثة — خطر انهيار خلال سبع دقائق.
قرأت رَوان الرسالة مرة، ثم ثانية. لم يكن نظام الإنذار يرسل هذا النوع من التحذير إلا إذا انقطع الاتصال بكل الحساسات الاحتياطية. وبعدها ظهر اسم المتصل.
مركز الطوارئ — محطة المترو المركزية.
— رَوان، هل تسمعينني؟ جاء صوت أخيها يزن متقطعاً عبر الهاتف. المياه دخلت النفق. نحن تحت المحطة… والبوابة الشرقية لا تستجيب.
— كم عددكم؟
— فريقان. وثلاثة عشر مدنياً. بينهم أطفال.
انقطع الصوت، ثم عاد مع صرير معدن وارتطام شيء ثقيل.
— يزن! اخرجوا إلى الممر الغربي فوراً. لا تنتظروا المصعد.
— الطريق الغربي انهار. رَوان، السد…
ثم انقطع الخط.
كانت رَوان مهندسة الإنشاءات التي صممت نظام التصريف الجديد للسد، قبل أن تستقيل بعد خلاف علني مع شركة «أطلس» المنفذة. قالت الشركة إن اعتراضاتها مبالغ فيها. قالت رَوان إنهم غطّوا شقاً في الجدار بطبقة إسمنت ودهان، ثم وقعوا شهادة سلامة.
لم تكن تتوقع أن يأتي يوم تثبت فيه العاصفة مَن كان على حق.
ارتدت سترتها، وخطفت خوذتها ومفتاح شاحنة الصيانة. قبل أن تخرج، رن الهاتف مجدداً. رقم غير مسجل.
— لا تذهبي إلى السد، قال صوت هادئ. الطريق الشمالي مقطوع. انتظري فرق الإنقاذ.
عرفت الصوت. المهندس فؤاد الكيلاني، مدير مشروع أطلس، الرجل الذي وقّع على شهادة السلامة.
— يزن في المحطة.
— لا يمكنك الوصول إليه.
— لن أطلب الإذن.
سكت فؤاد لحظة، ثم قال:
— إذا فتحتِ البوابة الرابعة، ستغرقين الحي القديم.
توقفت يدها على مقبض الباب.
— لم أخبرك أنني سأفتح أي بوابة.
أغلق الخط.
عندها فقط فهمت: فؤاد لم يكن يحاول إيقافها من أجل سلامتها. كان يعرف ما ستجده عند السد.
الفصل الثاني: الطريق الذي ينهار
كانت شاحنة الصيانة تشق الطريق الجبلي بصعوبة. المطر يجلد الزجاج، والمسّاحات تتحرك كأنها تحاول إبعاد بحر كامل. أمامها، أضاءت مصابيح التحذير الحمراء عند منعطف الحافة. توقفت رَوان، فتحت النافذة، وأطلّت.
انزلقت كتلة من الطين والصخر عبر الطريق، وسقط جزء منها في الوادي. لم يبقَ سوى ممر ضيق بمحاذاة الجدار، بالكاد يتسع للشاحنة.
وضعت يديها على المقود.
قالت لنفسها: سبع دقائق.
وفي أعلى المنعطف، ظهرت أضواء سيارة سوداء. لم تكن مركبة إنقاذ. أطفأت رَوان مصابيح الشاحنة، وتركت المطر يخفيها. مرت السيارة ببطء، ثم توقفت. نزل منها رجلان يرتديان سترات شركة أطلس الواقية. لم يحملا أدوات إنقاذ؛ كان أحدهما يمسك جهازاً لاسلكياً، والثاني يحمل حقيبة طويلة.
خرجت رَوان من باب الراكب، وانخفضت خلف حافة الطريق. سمعت الرجل يقول:
— المدير يريد التأكد من اختفاء السجلات قبل وصول الشرطة.
لم تعد المسألة شقوقاً في الإسمنت. كانت هناك سجلات مخفية في غرفة التحكم، وربما ما هو أسوأ.
تحركت نحو مؤخرة الشاحنة، وأخرجت قاذف الإشارات الطارئة. صوبت إلى المنحدر وأطلقت طلقة ضوئية. اشتعلت السماء بلون أحمر، فالتفت الرجلان نحو الوادي. استغلت رَوان اللحظة، ركضت إلى مقعد السائق، وأدارت المحرك.
انطلق أحدهما خلفها، وأطلق رصاصة أصابت المرآة الجانبية. لم تلتفت. عند المنعطف التالي، ضغطت المكابح، ثم أدارت عجلة القيادة بعنف. تدحرجت شاحنة الصيانة عبر الممر الطيني، واصطدمت بسيارة أطلس من جانبها. دار الاثنان فوق الحصى، وانحشرت سيارة أطلس بين حاجز الطريق والصخر.
لم تتوقف رَوان لتفحصها. كانت الأضواء الحمراء على لوحة الشاحنة تتناقص، وكل ثانية تقرب المدينة من الماء.
الفصل الثالث: المدينة تحت السطح
حين وصلت إلى ساحة السد، وجدت البوابة الرئيسية مفتوحة. لم يكن هناك حراس ولا عمال. فقط صفارات إنذار تصرخ في المطر، ومياه بنية اللون تتدفق من قناة جانبية نحو الأحياء المنخفضة.
ركضت إلى غرفة التحكم. كان الباب موارباً، وعلى الأرض آثار أحذية مبللة. في الداخل، كانت الشاشات تعرض خريطة المدينة. بوابة التصريف الثالثة عالقة في منتصف الإغلاق. أما البوابة الرابعة فكانت مفتوحة بالكامل، موجّهة المياه نحو الحي القديم ومحطة المترو.
لم يكن هناك عطل. أحدهم بدّل مسار الفيضان.
وجدت وحدة التحكم مفصولة عن شبكة الطوارئ، وأسلاكها مقطوعة بعناية. على المكتب، بقيت مطبوعة واحدة: تقرير داخلي يحمل توقيع فؤاد. قرأت السطر الأول، وفهمت ما كان يحاول دفنه. قبل أشهر، اكتشف فريقه تشققات في نفق التحويل الجديد. لو ظهرت الحقيقة، لانكشف أن أطلس قلّصت سماكة الجدار وخفّضت كلفة المشروع على حساب سلامة السد.
لكن لماذا يفتح البوابة نحو الحي؟
انفتح الباب خلفها.
دخل فؤاد، حاملاً مسدساً صغيراً. كان معطفه جافاً تقريباً، وهذا وحده بدا استفزازاً.
— أعيدي التقرير، قال.
— الناس في المترو.
— لو انهار نفق التحويل، ستصل المياه إلى قلب المدينة. تحويلها إلى الحي القديم يخفف الضغط.
— الحي القديم فيه آلاف السكان.
— إنذار الإخلاء وصلهم.
نظرت رَوان إلى الشاشة. لم يظهر أي إنذار صادر. لم يكن فؤاد يحاول إنقاذ المدينة؛ كان يختار أي جزء منها يمكن التضحية به كي ينجو السد وملفه.
— الإشارة لم تصل، قالت. أنت قطعت الشبكة.
رفع فؤاد السلاح قليلاً.
— افتحي القناة الرابعة بالكامل. بعدها سأفتح لك الطريق إلى المحطة.
كانت رَوان تعرف أنه يكذب. لكنها عرفت أيضاً أن كل ثانية تقضيها في الجدال تغرق النفق أكثر.
وضعت التقرير على الطاولة.
— ساعدني على إغلاق الرابعة.
— لن أترك السد ينهار.
— السد ينهار لأنك بنيته على كذبة.
تحرك فؤاد نحو لوحة التحكم. في اللحظة نفسها، ضربت رَوان مفتاح الإنذار اليدوي. انطفأت الشاشات لثانية. اندفعت عبر الغرفة، فاصطدم كتفها بذراعه. انزلق السلاح إلى الأرض. دفعها فؤاد نحو الحائط، لكنها تفادت الضربة، وانتزعت منه بطاقة الدخول.
لم يكن قتالاً جميلاً. كان اصطداماً بالأثاث، وأنفاساً قصيرة، وأيدٍ تبحث عن شيء تمسك به. ضربها فؤاد بمرفقه، فارتطم جانب رأسها بالخزانة. ردت بدفعه نحو لوحة الأسلاك المكشوفة. قفز شرر أزرق، وانفصلت وحدة التحكم عن الطاقة الرئيسية.
بدأت صفارات الإنذار تتغير. لم يعد هناك سبع دقائق.
كانت هناك ثلاث.
الفصل الرابع: تحت الماء
لم تستطع رَوان إغلاق البوابة من غرفة التحكم. كانت آلية الطوارئ يدوية، في غرفة صيانة منخفضة تحت مستوى النهر. للوصول إليها، عليها عبور ممر الخدمة الذي بدأ يغمره الماء.
نزلت السلالم بسرعة. في الأسفل، وجدته يزن واقفاً على منصة معدنية، يرفع طفلة فوق كتفه. خلفه، تجمع فريق الإنقاذ وثمانية أشخاص آخرين. اثنان منهم مصابان. المياه بلغت صدورهم.
— ظننتك لن تأتي، قال يزن.
— وأنا ظننت أنك تعرف متى تتوقف عن إنقاذ الناس وحدك.
— تعلمت منك.
لم يكن هناك وقت للعناق. أشارت إلى الممر الشرقي.
— خذهم إلى السلم الغربي. لا تنزلوا إلى الرصيف. المياه سترتفع من القناة الرابعة.
— والبوابة؟
— سأغلقها يدوياً.
— لن تفعلين ذلك وحدك.
— لم أقل إنني سأفعل.
في نهاية الممر، كان هناك دولاب معدني أحمر، يتصل بآلية البوابة عبر سلسلة ضخمة. احتاجت رَوان إلى تدوير الدولاب أربع دورات كاملة كي تبدأ البوابة بالهبوط. لكن الماء كان يضرب القفل من الجهة الأخرى، وكل دورة تتطلب قوة رجلين.
ترك يزن الطفلة مع المسعف، وانضم إليها. دفعا معاً. تحرك الدولاب سنتيمتراً، ثم توقف.
فوقهما، سمعا ارتطاماً هائلاً. اهتز النفق، وسقطت قطع من الإسمنت. صرخت إحدى النساء.
— لن يصمد السقف! قال يزن.
— إذا تركناها مفتوحة، لن يصمد أحد.
جاء فؤاد من خلفهما، يحمل ذراعه المصابة. كانت يده خالية من السلاح.
— هناك طريقة أسرع، قال. السلسلة عالقة عند المفصل. يجب تحريرها من داخل الحجرة.
— والماء؟
— سيغمرها خلال دقيقة.
نظر يزن إلى رَوان. كلاهما فهم أن من يدخل الحجرة لن يخرج بسهولة.
أخرج فؤاد مفتاحاً قديماً من جيبه، وقدمه لها.
— أنا وقّعت على التقرير. أنا أصلح ما أفسدته.
— لو دخلت، قد لا تعود.
— أعرف.
لم يكن ذلك كافياً لمسامحته، لكنه كان كافياً لتعرف أنه لا يهرب هذه المرة.
دخل فؤاد الحجرة. رفعت رَوان ويزن الدولاب بكل ما بقي لديهما. دارت السلسلة، ثم توقفت فجأة. من خلف الباب، سمعوا صوت فؤاد يضرب المعدن.
— المفصل! صرخ. اسحبوا الآن!
دفعا. لم يتحرك الدولاب.
— مرة ثانية! صاح يزن.
وضعا أقدامهما على القاعدة، وسحبا بكل قوتهما. هذه المرة تحركت السلسلة. ثم دورة. ثم ثانية. بدأ صوت البوابة يصعد من جوف السد، مثل هدير وحش يستيقظ.
لكن الماء اندفع من شق تحت الباب، وبدأ يملأ الغرفة التي دخلها فؤاد.
صرخت رَوان باسمه.
— أكملوا! جاء صوته من الداخل.
لم يكن طلباً. كان أمراً.
الفصل الخامس: الاختيار
وصلت البوابة إلى نصف الإغلاق. عندها انفجر أنبوب ضغط خلف الجدار. قذفت موجة الماء يزن إلى الأرض، وسقطت رَوان على ركبتيها. أفلت الدولاب، وبدأت السلسلة ترتخي.
إذا ارتخت بالكامل، ستعود البوابة إلى الأعلى.
ركض يزن نحو أخته وسحبها بعيداً عن التيار. كان جرح في ذراعه ينزف، لكنه وقف.
— اذهبي إلى الناس. سأثبتها.
— لا.
— رَوان، ما عاد عندنا وقت.
أمسك الدولاب وحده. لم يتحرك. من خلف الباب، كان صوت فؤاد قد اختفى.
فكرت رَوان في أبيها. قبل عشرين عاماً، مات في نفق تصريف قديم وهو يحاول إغلاق بوابة تعطلت أثناء فيضان. قضت سنوات تكره السد، ثم قضت سنوات أخرى تحاول بناء واحد لا يكرر خطأه. والآن، كانت على وشك أن تترك أخاها يموت بالطريقة نفسها كي تنقذ الآخرين.
لكنها لم تعد طفلة تنتظر أحداً يعود من الماء.
أخرجت من حقيبتها سلك جرّ فولاذياً، ولفته حول ذراع الدولاب، ثم ثبتت طرفه بمركبة الصيانة الصغيرة التي تركها عمال المحطة. أعطت يزن إشارة. صعد إلى المقعد، بينما ثبتت رَوان السلك على قاعدة صلبة.
— على العدّ، قالت.
— واحد… اثنان… ثلاثة!
اندفعت المركبة إلى الخلف. شد السلك الدولاب، وبدأت البوابة تتحرك من جديد. انقلبت المركبة على جانبها، لكن القفل دار دورة كاملة. ثم أخرى.
فجأة، انفتح باب الحجرة. اندفع الماء إلى الممر، وظهر فؤاد ممسكاً بالسلسلة بيديه. كانت سترته ممزقة، ووجهه شاحباً. ترك السلسلة في اللحظة الأخيرة، فارتطم به التيار وحمله نحو الباب.
قفز يزن وأمسك بمعصمه. سحبت رَوان يزن من حزامه، وسحب الثلاثة بعضهم بعضاً حتى ارتطموا بالجدار. بقي فؤاد على قيد الحياة، لكنه لم يعد يملك شيئاً يخفيه.
استدارت البوابة إلى موضعها. انخفض الماء قليلاً. ثم انطفأت صفارات الإنذار دفعة واحدة.
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت الطفلة التي كانت تبكي فوق السلم.
الفصل السادس: ما بعد الماء
خرج الناجون إلى السطح مع أول ضوء للفجر. لم يكن الفجر جميلاً؛ كشف فقط حجم ما فعلته العاصفة. سيارات مقلوبة في الشوارع، واجهات محطمة، وساحة السد مغطاة بالطين. لكن الحي القديم لم يُغمر بالكامل. وصلت فرق الإنقاذ إلى المحطة، وأُخرج آخر العالقين من النفق قبل أن يرتفع الماء مجدداً.
اقترب ضابط من فؤاد. لم يقاوم حين وضعوا القيود في يديه. قبل أن يبتعد، نظر إلى رَوان.
— كنت أقول لنفسي إنني أحمي المشروع، قال.
— كنت تحمي توقيعك.
لم يرد.
كان يزن جالساً على حافة سيارة إسعاف، وذراعه ملفوفة بضماد. جلست رَوان إلى جانبه، وراحت تحدق في السد. لم يكن بطلاً. كان إسمنتاً وحديداً وشقوقاً لم تعد مخفية بالطلاء.
— هل انتهى الأمر؟ سأل يزن.
هزت رأسها.
— لا. الآن يبدأ التحقيق. ثم الإصلاح. ثم الأسئلة التي لن تعجب أحداً.
— تبدو متحمسة.
— أنا متعبة جداً لأكون خائفة.
في هاتفها، ظهرت رسالة أخيرة من نظام المدينة:
تم استعادة الاتصال. تم تسجيل جميع الإنذارات.
رفعت رَوان عينيها إلى الجبال. بدأت العاصفة تبتعد، لكن الماء بقي في كل مكان؛ على الطرق، في الأنفاق، وفي الذاكرة.
لأول مرة، لم تفكر في والدها بوصفه رجلاً لم يعد. فكرت فيه بوصفه الرجل الذي علّمها أن الإنقاذ ليس أن تدخل الماء بلا خوف، بل أن تعرف لماذا دخلته، ومَن يجب أن يخرج معك.
انحنى الضوء على المدينة المبللة.
سبع دقائق كانت كافية لتغرقها.
لكنها لم تكن كافية لمحو الحقيقة.