١. طرد بلا مُرسِل
في الليلة التي وصل فيها الطرد، كانت الإسكندرية تغتسل بمطر نوفمبر الثقيل، وكانت سلمى حمدي واقفة في مختبر الترميم بمكتبة الإسكندرية، تُلصق بطرف فرشاتها الدقيقة رقعة صغيرة من ورق الكتّان فوق ثقب في مخطوطة عمرها ثلاثة قرون. كانت قد بلغت الثانية والثلاثين، وتعلّمت من مهنتها شيئًا واحدًا لا يتغير: أن الأشياء القديمة لا تكذب، لكنها لا تقول كل ما تعرفه أيضًا.
دخل عم صلاح، حارس المبنى، وفي يده علبة كرتون صغيرة مبللة الأطراف. قال وهو ينفض المطر عن كتفيه: «جاءت لكِ مع ساعي البريد قبل الإغلاق. غريبة، لا يوجد عليها اسم مُرسِل.»
انتظرت حتى خرج، ثم فتحت العلبة بسكين الورق. في الداخل كانت هناك قطعة قماش من المخمل الأخضر الباهت، ملفوفة حول ساعة جيب نحاسية قديمة، ثقيلة على كفّها كحجر نهر. زجاجها مخدوش، وعقاربها متوقفة عند الثالثة وسبع دقائق بالضبط.
وتحت الساعة ورقة صغيرة مطويّة أربع طيّات. فتحتها، فتوقف قلبها لحظة. لم يكن لديها شك في الخط. تلك الحروف المائلة قليلًا إلى اليمين، وذلك الكاف الذي ينتهي بذيل طويل، كانت لجدّها عبد الرحمن، صانع الساعات الذي مات قبل سبعة عشر عامًا.
«لا تُصلحيها قبل أن تسمعي ما تقوله.»
جلست على الكرسي الخشبي ببطء. في الخارج، ضرب المطر زجاج النافذة كأن أحدًا يطرق عليه بأصابعه، وفي الداخل لم يكن يُسمع شيء سوى صوت أنفاسها.
٢. الدكان الذي تغيّر اسمه
لم تنم تلك الليلة. وفي الصباح، ركبت الترام المتجه إلى الأنفوشي، وهي تعرف الطريق كما تعرف كفّها، رغم أنها لم تزره منذ سنوات. كان دكان جدّها يقع في زقاق ضيّق خلف مسجد الأنفوشي، تفوح منه رائحة السمك المملّح والخشب الرطب. كان اسمه قديمًا «عبد الرحمن لإصلاح الساعات»، أما اللافتة الآن فمكتوب عليها بحروف مذهّبة: «مجوهرات شرف».
استقبلها فؤاد شرف بابتسامة أبوية. كان رجلًا في أواخر الستين، أنيق الهندام، يضع نظارة ذات إطار رفيع ويتكلم بنبرة هادئة من اعتاد أن يُصدَّق. كان جار جدّها لثلاثين سنة، ثم اشترى الدكان بعد الوفاة بثمن، قالت أمها دائمًا، إنه «يكفي بالكاد لدفع مصاريف الجنازة».
«سلمى! كبرتِ ونسيتِ عمّك فؤاد!» قال وهو يفتح ذراعيه. ثم أجلسها وأمر الصبي بإحضار الشاي بالنعناع. وبينما كانا يتحدثان، أخرجت الساعة من حقيبتها دون أن تقول شيئًا.
لاحظت أنه لم يمدّ يده ليأخذها. اكتفى بالنظر إليها، وبقيت ابتسامته مرسومة على وجهه، لكنها صارت أشبه بقناع مُثبَّت بدبابيس غير مرئية. ثم قال بخفة مصطنعة: «ساعة قديمة، وأظنها كانت لجدّك. لا تُساوي إصلاحها يا ابنتي. الأفضل أن تحتفظي بها ذكرى.»
«وجدتها بين أغراضه القديمة»، كذبت سلمى، ولم تعرف من أين جاءتها الجرأة. «توقفت عند الثالثة وسبع دقائق. هل هذا الوقت الذي…»
«نعم.» قاطعها بسرعة أكبر مما ينبغي. «هذا هو الوقت الذي حدّده الطبيب الشرعي. سقط من أعلى السلم الخشبي في الدور العلوي، وارتطمت الساعة بالأرض فتوقفت. حادثة مؤسفة. لقد حضرت التحقيق بنفسي.»
كان على الجدار خلفه ساعة حائط كبيرة بإطار من خشب الجوز، تدقّ بانتظام. رمقتها سلمى بنظرة عابرة ثم أعادت عينيها إلى فنجان الشاي. لكن شيئًا ما في ذلك المشهد علق في ذهنها، مثل شعرة في قطعة حلوى. شيء كان يجب أن تتذكره ولم تتذكره بعد.
٣. خمس وعشرون دقيقة
عادت إلى شقتها الصغيرة في العطارين وهي تحمل الساعة في جيب معطفها كأنها طائر ساخن. وضعتها على المكتب تحت المصباح، وأمسكت بها بملقط الترميم الذي لا يفارقها.
أول ما فعلته أنها ضغطت على التاج الصغير في أعلى الساعة. كانت ساعة من النوع القديم الذي يُسمَّى «المُردِّد»، وهو نوع يعلن الوقت بالرنين. وفي الصمت، دقّت الساعة بنغمات رقيقة صافية: ثلاث نغمات منخفضة، ثم صمت قصير، ثم نغمة واحدة عالية. ثلاث ساعات، وسبع دقائق.
لا شيء غير ذلك. لكنها ظلت جالسة، تحدّق في العقارب، وفجأة عاد إليها صوت جدّها وهو يحمل حفيدة في العاشرة من عمرها على ركبته، ويقول مبتسمًا: «ساعتي هذه تسبق الدنيا بخمس وعشرين دقيقة يا سلمى. أضبطها هكذا منذ عشرين سنة. لو لحقت بالوقت لتأخرتُ عن الدنيا كلها.»
وضعت الملقط على المكتب. كانت يداها ترتجفان.
خمس وعشرون دقيقة. إن كانت الساعة تسبق الوقت الحقيقي بخمس وعشرين دقيقة، فإن الثالثة وسبع دقائق التي توقفت عندها ليست الثالثة وسبع دقائق. إنها الثانية واثنتان وأربعون دقيقة.
تذكّرت الآن ما علق في ذهنها في الدكان: ساعة الحائط الكبيرة خلف فؤاد. كانت تدق، لكن في تقرير الشرطة الذي قرأته أمها ألف مرة بصوت مبحوح، كُتب أن ساعة الدكان وُجدت متوقفة هي الأخرى عند الثالثة وسبع دقائق. ثلاث ساعات وسبع دقائق، على الساعتين معًا. هل يمكن لساعتين مختلفتين، إحداهما تسبق الأخرى، أن تتوقفا عند اللحظة نفسها في أثناء حادثة واحدة؟
لا. إلا إن كان أحدهم قد ضبط إحداهما على الأخرى.
٤. ما يخبئه الغطاء الخلفي
لم تكن سلمى قد فتحت الغطاء الخلفي بعد، فهي تعرف أن الساعات القديمة لا تحب الاستعجال. أخرجت أدواتها واحدة بعد الأخرى: الإزميل الصغير، والمنفاخ، والعدسة. وببطء، كما لو كانت تفتح جرحًا قديمًا، رفعت الغطاء.
لم تجد خللًا ولا صدأً. كان الميكانيزم نظيفًا بشكل مريب، كأن أحدًا اعتنى به كل عام. وتحت قرص الساعة، ملصقًا بشريط رقيق من شمع العسل، كان هناك مفتاح نحاسي أصغر من ظفر الإبهام، وعليه رقم محفور بدقة: 307.
ثلاثة، صفر، سبعة. لم يكن ذلك الوقت. كان رقمًا.
جلست دقائق طويلة تفكّر، ثم تذكّرت: جدّها لم يكن يثق بالبنوك، وكان يقول إن البريد «أصدق من أي خزنة، لأن موظفيه لا يعرفون ما في الصناديق». أخذت معطفها واتجهت إلى مكتب بريد المنشية القديم.
في الداخل، كان الجو يفوح برائحة الورق والغبار. جلست خلف الشباك سيدة في الخمسين، تضع على صدرها بطاقة مكتوبًا عليها «نوال». أخذت المفتاح من سلمى وقلّبته بين أصابعها، ثم رفعت نظرها وقالت بهدوء: «صندوق ٣٠٧. يا الله، كنت أظن أن أحدًا لن يأتي لأجله أبدًا.»
«من كان يدفع إيجاره؟»
«رجل كبير في السن، يمشي بعصا ويرتدي معطفًا رماديًّا مهترئًا. كل نوفمبر، منذ سبعة عشر عامًا، يأتي ويدفع نقدًا ولا يقول اسمه. لم يأتِ هذا العام. وقد أوشكنا على فتح الصندوق بعد انقضاء المهلة.» ثم مالت إلى الأمام وخفضت صوتها: «لا بد أنك المقصودة بكل هذا الانتظار يا ابنتي.»
٥. دفتر الجدّ
كان في الصندوق دفتر جلدي صغير، ومظروف ورقي سميك، وصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود.
الدفتر كان بخط جدّها، مقسّمًا إلى أعمدة: تاريخ، رقم تسلسلي، اسم الزبون، المبلغ. كان معظم الأسماء عادية، لكن اسمًا واحدًا تكرر عشرات المرات على امتداد سنتين: ف. شرف. وبجانب كل اسم، رقم تسلسلي لساعة جيب، وكلمة واحدة بين قوسين: (مُجوَّفة).
أما الصورة، فكانت لغطاء ساعة مفتوح، وفي بطانته الداخلية تجويف صغير مصنوع بإتقان، يتّسع لعملة ذهبية قديمة أو لتميمة فرعونية دقيقة. وفي المظروف، وجدت إيصالات وكشوف حسابات مكتوبة بالفرنسية والإنجليزية، تتحدث عن قطع صغيرة بيعت إلى مزادات في الخارج. وفي أسفل أحد الكشوف، بقلم جدّها الأزرق، كتب بخط مرتجف: «كنت أظن أنني أصلح ساعات. كنت أصنع صناديق للتهريب. غدًا في الفجر سأذهب إلى النيابة.»
وتحتها التاريخ: ليلة وفاته.
أمسكت سلمى بالورقة بيدين باردتين. الآن عرفت لماذا أراد أحدهم أن تتوقف الساعات عند الثالثة وسبع دقائق. لو مات جدّها عند الثانية واثنتين وأربعين دقيقة، لما كان لفؤاد شرف حجة غياب. أما عند الثالثة وسبع دقائق، فكان في المقهى، بين الناس، وأمام عشرات الشهود.
٦. الشاهد الذي لم يسأله أحد
لم يكن لديها دليل على حجة الغياب، فذهبت لتبحث عنها. في مساء اليوم التالي، جلست على كورنيش الإسكندرية في مقهى «الصفاء»، حيث قال فؤاد إنه قضى ليلة الحادثة. كان صاحب المقهى الآن الحاج سيد، رجلًا في الثمانين يحرّك المسبحة بين أصابعه ويحدّق في البحر.
سألته بلا مقدمات عن تلك الليلة. تردد، ثم ابتسم ابتسامة حزينة. «سنين طويلة ولم يسألني أحد. حين جاء المحقق، سألني: هل كان الأستاذ فؤاد هنا الليلة؟ فقلت: نعم. وانتهى الحديث.»
«متى جاء بالتحديد؟»
أغمض الحاج سيد عينيه كأنه يستدعي مشهدًا من صندوق قديم. «قبل الثالثة بعشر دقائق تقريبًا. دخل لاهثًا، وقميصه مبلل بالعرق رغم أن الليل كان باردًا، وطلب شايًا. ويداه كانتا ترتجفان حتى سكب نصف الكوب على الطاولة. بقي حتى الثالثة والنصف.»
قبل الثالثة بعشر دقائق. الثانية وخمسون دقيقة. بعد ثماني دقائق فقط من الموت الحقيقي لجدّها.
«هل تقبل أن تقول هذا لضابط شرطة؟»
رفع الحاج سيد عينيه إليها. قال، وفي صوته تعب سنوات طويلة: «أنا أصدق منه الآن وأنا على أبواب القبر. ولعل الله أبقاني لهذا اليوم.»
٧. وقت الحقيقة
اتصلت بالمفتش كريم زكي، صديق قديم من أيام الدراسة صار الآن ضابطًا في إدارة البحث الجنائي. استمع لها ساعة كاملة دون أن يقاطعها، ثم أطرق وقال: «القضية مغلقة منذ سبعة عشر عامًا يا سلمى. أحتاج إلى شيء أقوى من دفتر ورجل مسنّ يتذكر.»
«وإن جاء المتهم بنفسه ليقول لنا ما لا يعرفه إلا القاتل؟»
في المساء التالي، عادت إلى دكان الأنفوشي. كان المطر قد توقف، والزقاق ساكنًا إلا من صوت أمواج بعيدة. كان فؤاد يغلق الدكان حين رآها، فارتفع حاجباه. «سلمى، ما الذي أعادك؟»
«أردت أن أُصلح الساعة»، قالت بهدوء، وأخرجتها من جيبها ووضعتها على الطاولة الزجاجية بينهما. «لكنني حين فتحتها وجدت أنها كانت في حالة جيدة طوال هذه السنين. لم يكن فيها عيب. فقط، كانت تكذب.»
حدّق فؤاد في الساعة. تلاشت الابتسامة من وجهه، ولم يبقَ منه سوى رجل متعب وخائف. «أين وجدتِها؟» سأل بصوت منخفض، ثم أضاف قبل أن تجيب، وكأن الكلمات انسلّت منه رغمًا عنه: «سبعة عشر عامًا وأنا أقلّب هذا المحل شبرًا شبرًا! أتعرفين كم مرة…»
توقف فجأة. لكن الجملة كانت قد قيلت.
«سبعة عشر عامًا»، كررت سلمى بصوت لا يرتجف، «وأنت تبحث عنها في محل اشتريته، لأنك تعرف أن جدّي ترك شيئًا بداخلها. والآن اشرح لي: لماذا يبحث رجل بريء عن ساعة رجل ميت؟»
انفتح باب الدكان الخلفي بهدوء، ووقف المفتش كريم عند عتبته ومعه رجلان. لم يقل شيئًا. وأمام نظراته، جلس فؤاد شرف على الكرسي الخشبي الصغير، وبدا أصغر بعشرين سنة وأضعف بعشرين أخرى.
«كان سيذهب إلى النيابة…» همس، ولم يكن واضحًا هل يخاطب أحدًا. «كان سيدمّر كل شيء. جئت لأتحدث معه فقط. ولم أكن أقصد…»
٨. ما بعد الثالثة وسبع دقائق
بعد أسابيع، حين أُعيد فتح القضية وتأكدت التهم، ذهبت سلمى إلى مستشفى القصر العيني لتزور عم يونس، المُتدرّب القديم الذي عمل في دكان جدّها قبل أن يشيخ ويضعف. كان هو من يدفع إيجار الصندوق كل نوفمبر، وهو من أرسل الطرد بيد ابنة أخيه بعدما أخبره الأطباء أن قلبه لن يحتمل شتاءً آخر.
أمسك بيدها بأصابعه المرتعشة وقال: «كنت خائفًا يا بنتي. فقير، ولا أحد يصدقني. فانتظرت أن يكبر أحد من أهل البيت ويعود.»
«وانتظرت سبعة عشر عامًا؟»
«ما دامت الساعة سليمة، فالحقيقة سليمة أيضًا.»
وفي الليلة نفسها، عادت سلمى إلى بيتها، وجلست إلى المكتب، وأدارت تاج الساعة حتى سمعت صوت الزنبرك يتماسك. ثم أعادت ضبط العقارب، لا على الوقت الصحيح، بل على الوقت الذي يعرفه جدّها: متقدمة بخمس وعشرين دقيقة.
سألها المفتش كريم حين رآها بعد أيام: «لماذا لم تضبطيها على الوقت الصحيح؟ أصبحت الآن ساعة تكذب.»
ابتسمت، وكانت أول ابتسامة حقيقية منذ وقت طويل. «لا يا كريم. هي لا تكذب. هي فقط تسبق الدنيا قليلًا، كما كان صاحبها.»
