١. علبة البسكويت الزرقاء
في بيت الجدّة نورة بحيّ البلد في جدة، كان كل شيء قديمًا إلا القلوب. بيت من الحجر المرجاني ذو رواشين خشبية داكنة، تتسلل منه رائحة العود والهيل وماء الورد، وفي غرفته العليا خزانة عتيقة لا يفتحها أحد سواها. وفي أعلى الخزانة، منذ ما قبل أن تولد مريم، علبة بسكويت زرقاء من الصفيح، عليها صورة سفينة شراعية باهتة، تحفظ الجدّة بداخلها أغلى ما تملك.
«لؤلؤي»، كانت تقول بصوت من يتحدث عن ابن مسافر. «جدّك جاء به من البحرين يوم كان عمري عشرين عامًا. وهو لمن تحبه قلوبكم أكثر.»
كان ذلك قبل ثلاثة أيام من خطوبة مريم على عمر. وكان العيد قد حلّ، والبيت يغصّ بالأبناء والأحفاد والجيران والقهوة والمعمول. بعد صلاة العصر، دعت الجدّة مريم إلى الغرفة العليا وأغلقت الباب خلفهما، ثم فتحت العلبة بيدين مرتجفتين قليلًا.
كان اللؤلؤ هناك، ملفوفًا في قطعة قماش من القطيفة. صفوف من اللآلئ البيضاء المائلة إلى لون الشفق الوردي، ناعمة، متناسقة، تلمع كأنها تضيء من الداخل. تأملتها مريم وهمست: «ما أجملها يا جدّتي.»
لكن وجه الجدّة لم يبتسم.
٢. لؤلؤة على السن
رفعت الجدّة القلادة، وقرّبت لؤلؤة واحدة من فمها، ثم حكّتها برفق على أسنانها الأمامية. هزّت رأسها ببطء وأعادتها. ثم رفعت الثانية، والثالثة، وكانت في كل مرة تقبض شفتيها أكثر.
«اللؤلؤ الحقيقي يا مريم»، قالت بصوت خفيض، «يكون فيه خشونة خفيفة حين تلمسينه بأسنانك، كحبّات الرمل الدقيقة. هكذا علّمني أبي، وكان تاجر لؤلؤ. أما هذا…» ومدّت القلادة إلى حفيدتها: «هذا أملس كالزجاج.»
جرّبت مريم بنفسها، وشعرت بالفرق كما يشعر المرء بالفرق بين كفّ أمه وكفّ غريب. لم يكن هناك شك. القلادة جميلة، متقنة، لكنها مزيفة.
«متى عرفتِ؟» سألت بصوت لا يكاد يُسمع.
«منذ ثماني سنين. في عيد آخر مثل هذا.» تنهدت الجدّة. «لم أقل لأحد. انتظرت. ظننت أن أحدهم سيعيده، سيشعر بالخجل ويعيده إلى مكانه. لكن مرّت السنون ولم يعده أحد.»
«ولماذا تخبرينني الآن؟»
«لأنكِ ستخطبين الجمعة. ولأن عمري ثمانون ولا أريد أن أموت وأنا أعرف الحقيقة وحدي. ولأنكِ يا ابنتي، الوحيدة في هذا البيت التي تعرف كيف تسأل دون أن تجرح.»
٣. ثلاثة أسماء
لم تطلب الجدّة منها أن تتحرى. لكن مريم، التي تعمل صحفية في جريدة محلية، كانت تعرف كيف تتحول الأسئلة إلى خيوط. جلست تلك الليلة على سطح البيت، والنجوم تبدو قريبة كأنها لؤلؤ حقيقي، وكتبت في دفترها ثلاثة أسماء.
خالد. عمّها الأكبر، رجل بصوت مرتفع وضحكة سخية وديون لا يعرف أحد حجمها. كانت الجدّة دائمًا أبرد معه من الباقين، وتتحاشى النظر إليه في المجالس، وتقول إن «من يحب المال أكثر من أهله لا يؤتمن على شيء».
فيصل. ابن خالتها، شاب في الثلاثين، مولع بالسيارات الفارهة، يزور الجدّة كثيرًا ويجلس معها طويلًا. ربما أكثر من اللازم.
حصة. عمّتها الصغرى. أرملة هادئة في الثامنة والخمسين، لا ترفع صوتها أبدًا، تقوم بخدمة الجميع في العيد وتختفي حين يبدأ الحديث. لا يخطر ببال أحد أن يشك فيها.
كان خالد هو الجواب الواضح. وكانت مريم تكره الأجوبة الواضحة.
٤. إيصال في جيب المعطف
في صباح اليوم التالي، وبينما كان خالد يضحك في الفناء مع الأطفال، دخلت مريم غرفة الضيوف حيث علّق معطفه الرمادي. أخذت نفسًا، ثم مدّت يدها إلى الجيب الداخلي.
وجدت ورقة مطوية: إيصال رهن من محل في شارع قابل. مقابل قطعة، مبلغ، وتاريخ هذا الأسبوع بالتحديد.
خفق قلبها. لكن شيئًا في الورقة جعلها تتمهل: كان الإيصال باسم «ساعة يد، ماركة سويسرية». لم تكن لؤلؤًا ولا ذهبًا.
في المساء، وبينما كانت تساعده في حمل صينية الشاي إلى الضيوف، همست: «عمي، لماذا رهنت ساعتك؟»
تجمد خالد. ثم أطلق ضحكة قصيرة بلا فرح. «من أخبرك؟ أنت مثل جدّتك، تنظرين دون أن تسألي.» وأضاف بصوت منخفض: «أرجو أن تبقي هذا بيننا. ما زلت أسدّد قرضًا قديمًا لا أريد أن يعرف به أحد. فلا ترين فيّ ما يراه الجميع. لقد بعت كل ما كان لدي لأنني لا أريد أن أمدّ يدي إلى بيت أمي.»
وكان في صوته صدق لا يمكن اختلاقه. أدركت مريم أنها لم تعد تشك فيه.
٥. سوق الذهب
في الصباح التالي، فكّت مريم مشبك القلادة وقلّبت الحبات تحت ضوء النافذة. وفي زاوية المشبك الدقيق، كاد يخفى على العين، وجدت ختمًا صغيرًا محفورًا بإتقان: «أ.ز».
سألت عنه في سوق الذهب بالبلد، بين الحوانيت الضيقة المكتظة بالأساور والخواتم. وبعد ثلاثة محلات، قال لها صبي وهو يمضغ علكة: «هذا ختم أبو زيد. محله في آخر الزقاق. لكنه كبر، ولم يعد يجلس إلا الصباح.»
كان أبو زيد في السبعين، بعمامة بيضاء ونظارة سميكة، يجلس خلف طاولة خشبية صغيرة. فحص القلادة بعدسته، ثم رفع إليها عينين ناعمتين: «قطعتي. أنا صنعتها.»
«متى؟»
«قبل تسع سنين، في الربيع. جاءتني امرأة بعباءة سوداء وعينين محمرتين. قالت إن زوجها مريض في كليتيه ويحتاج عملية في ألمانيا، وإن عندها لؤلؤًا لا قيمة له عندها إن مات زوجها. باعتني الحقيقي، وطلبت أن أصنع لها نسخة مطابقة لا يفرّق عنها أحد. أخذت ثلاثة أسابيع أبحث عن لؤلؤ يقترب منه.»
«وهل تذكر اسمها؟»
«سجّلته في دفتري، حين طلبت أن أحتفظ لها اللؤلؤ الأصلي ولا أبيعه إلا بعد سنة، لعلها تستطيع شراءه.» فتح دفترًا أصفر وقلّب صفحاته بإصبع مرتجف. «حصة. ح. ع.» ثم أضاف بنبرة شجية: «لم تستطع أن تستردّه. بعته آخر الأمر إلى تاجر في دبي. لكنها ما زالت تأتي كل رمضان، تضع في يدي ظرفًا، تقول: هذه دفعة على ما سأشتريه يومًا. لقد جمعت حتى الآن مئة وأربعين ألفًا من مئتين.»
أغلقت مريم القلادة في كفّها. بدا لها اللؤلؤ الأملس الآن ثقيلًا مثل قلب.
٦. الخالة حصة
وجدتها في المطبخ، قبل غروب الشمس، تقشّر الباذنجان بيد ماهرة وصمت ثقيل. لم يكن في المطبخ أحد سواهما. وضعت مريم القلادة على الطاولة.
لم تقل حصة شيئًا. ثم مسحت يديها في مئزرها ببطء، وجلست على كرسي صغير، وحدّقت في الأرض.
«كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي»، قالت بصوت جاف كورق قديم. «في اليوم الذي أخذت فيه اللؤلؤ، كان عبد الله ينام في غرفة العناية ولا أحد يعلم هل سيصحو. لم أكن أفكر. فقط كنت أريده أن يعيش. وقد عاش سنتين. ثم مات.»
وبكت دون صوت، كما تبكي النساء اللواتي تعلّمن أن البكاء لا يليق إلا وحيدات.
«تسع سنين وأنا أعدّ الأيام. جمعت من خياطتي، ومن راتب التقاعد، ومن كل ما استطعت. ظننت أنني سأعيده قبل أن تفتح أمي العلبة. لكنني كنت أبطأ مما ينبغي.»
«وخالد؟» سألت مريم بلطف. «جدّتي كانت تظن أنه…»
رفعت حصة رأسها بحدّة. «خالد؟» ثم غطّت فمها بكفّها. «يا الله. هل ظنّت أمي أنه هو؟ كل هذه السنوات؟»
٧. ما كانت الجدّة تعرفه
في مساء الجمعة، في حفل الخطوبة، امتلأت الغرفة العلوية بالوجوه والأضواء والهدايا. وقبل أن تُقدَّم الحلوى، طلبت الجدّة نورة الصمت بعصاها الخشبية.
«سأعطي اللؤلؤ لمريم، كما وعدت.» ثم نظرت إلى الحضور، واحدًا واحدًا، ببطء. «لكن قبل ذلك، هناك من يريد أن يقول شيئًا.»
وقفت حصة. كانت يداها ترتجفان، لكن صوتها خرج ثابتًا. أخبرتهم كل شيء، بلا تجميل ولا اعتذار، فقط الحقيقة كما هي. حين انتهت، ساد صمت لم تكسره حتى أنفاس الأطفال.
ثم اتجهت الجدّة نحو ابنها الأكبر، الذي كان جالسًا في الزاوية ينظر إلى كفّيه. «خالد.»
رفع رأسه.
«ظلمتك ثماني سنين. ظننت أنك أنت. حتى حين عرفت أنك لم تكن، لم أعرف كيف أعتذر.» ومدّت يدها المعروقة نحوه. «تعال.»
تقدّم خالد بخطى بطيئة، وانحنى يقبّل يد أمه، ولم ينظر أحد في وجهه لأن الجميع كانوا يبكون.
ثم أخذت الجدّة القلادة المزيفة ووضعتها حول عنق مريم، وقالت بصوتها الهادئ: «هذه ليست لؤلؤي. لكنها أغلى شيء أملكه اليوم، لأنها تحمل حكاية حقيقية.» ثم نظرت إلى حصة: «واللؤلؤ الأصلي نشتريه معًا، أنا وأنتم جميعًا. اللؤلؤ يُشترى يا بنتي. أما بناتي فلا يُشترَين.»
وفي ذلك المساء، وفي الغرفة العلوية في بيت الجدّة نورة، وضع كل واحد في العائلة ظرفًا في علبة البسكويت الزرقاء. وكان آخرهم خالد، وضع فيها إيصال الرهن.
