English
← كل القصص
غموض · INSTORY

ما حفظته المرآة

◉ 2 مشاهدة▣ 2 قراءة2026-10-01
ما حفظته المرآة

١. الصورة التالفة

كان استوديو رانيا حداد يقع في الطابق الأرضي من بناية قديمة في جبل اللويبدة بعمّان، غرفة واحدة بسقف عالٍ ونافذة تطل على سلالم حجرية، تفوح منها رائحة الورق القديم والمذيبات. على الجدران صور لأناس رحلوا، أعادت إليهم رانيا وجوههم بفرشاة ناعمة وبرنامج حاسوب وصبر لا ينفد. كانت تقول لزبائنها: «أنا لا أصنع الماضي من جديد، أنا فقط أُزيل ما حجبه عنكم.»

في صباح خريفي مبلل، دخل شاب في السابعة والعشرين، متعب العينين، يحمل بين كفّيه مظروفًا بنيًّا كأنه يحمل عصفورًا جريحًا. قال إن اسمه طارق ناصر، وإن أمه سلوى ماتت قبل أسبوع، وإنه يحتاج إلى صورة زفافها قبل حفل التأبين يوم الجمعة.

أخرجت رانيا الصورة بأطراف أصابعها. كانت صورة ملوّنة مقاس عشرين في خمسة وعشرين، تعود إلى عام 1998. عروس بفستان ذي أكمام منتفخة، وعريس نحيل يبتسم ابتسامة من لم يصدّق حظه بعد. لكن الماء أكل نصف الصورة؛ بقعة مستديرة بنية زحفت من الزاوية السفلية وابتلعت جزءًا من الفستان، وتحتها خطوط بيضاء متعرجة حيث تشقق السطح.

«الجزء المهم سليم»، قالت وهي تقلّبها. «الوجهان. هذا يُصلَح. لكن خلفية الصورة تحتاج إلى عمل.»

«لا يهم الخلفية»، قال طارق. «أريد وجهَي أمي وأبي فقط.»

لكن رانيا لم تعرف كيف تعمل نصف عمل. وهكذا بدأ كل شيء.

٢. ما في عمق الزجاج

مسحت الصورة ضوئيًّا بدقة ألف ومئتي نقطة، ثم فتحتها على الشاشة الكبيرة. وفي الليل، حين خلا الزقاق من الأصوات، بدأت تكبّر الصورة قطعة قطعة، كما يفعل الجراح.

خلف العروسين، على الحائط، كانت مرآة مذهّبة الإطار، تعكس قاعة الحفل كلها. وفي البداية لم تنتبه رانيا لها، فقد كانت مغطاة بغبش الماء. لكنها حين رفعت التباين ونظّفت الطبقة الرمادية، بدأت القاعة تتشكل في الزجاج الصغير: موائد مستديرة، وأزهار بيضاء، وضيوف يضحكون.

ثم رأت الرجل.

كان جالسًا إلى المائدة القريبة من الباب، بدلة رمادية وشعر مصفّف إلى الخلف، وفي زاوية حاجبه الأيسر شامة صغيرة داكنة. كان يرفع كأسًا بيده اليسرى ويضحك لرجل آخر يجلس بجانبه، لا يظهر منه سوى كتفه وإصبعه: إصبع تلمع فوقه حلقة ذهبية تحمل فصًّا أخضر.

أرسلت رانيا لطارق رسالة قصيرة، مرفقة بالجزء المكبَّر من المرآة. جاءها الجواب بعد دقائق، قصيرًا وغريبًا: «من هذا؟»

«كنت أنوي أن أسألك أنا.»

بعد ساعة، رنّ هاتفها. كان صوت طارق متحشرجًا. «هذا عمي جميل. أخو أبي. لكنه… لم يكن هناك. لم يحضر الزفاف. سافر إلى كندا قبله بثلاثة أسابيع، وأرسل برقية تهنئة، وقال أبي دائمًا إنه لم يغفر لنا أننا لم نسافر معه.»

«ربما عاد في اللحظة الأخيرة؟»

«لا.» قال طارق بحدة، ثم خفض صوته. «لا. أتعرفين ما الغريب؟ لا توجد له صورة واحدة في بيتنا. كل ألبوماتنا خالية منه، كأنه لم يولد. حين سألت أمي عنه، وأنا في الخامسة عشرة، نظرت إليّ بتلك النظرة التي كنت أعرف أن بعدها صمتًا طويلًا.»

٣. العم الذي لم يكن هناك

لم تنم رانيا. كانت تعرف أن الصور لا تكذب، لكن الناس يكذبون حولها، وأحيانًا يتعمدون محو شخص كامل من الحكاية. وإن كان الرجل الذي في المرآة هو جميل، فقد كانت العائلة كلها تكذب عليه وعلى طارق منذ ثمانية وعشرين عامًا.

في اليوم التالي، جاء طارق إلى الاستوديو، وجلس مقابلها، ووضع على الطاولة صندوقًا من الكرتون. «وجدته في خزانة أبي. لم أفتحه من قبل. لم أجرؤ.»

كان فيه عشرات الرسائل والأوراق التجارية. وفي رأس الصندوق ورقة مطبوعة بترويسة مطبعة النهضة، شركة أبيه نبيل وشريكه إلياس قاسم. وفي أسفلها توقيعان. توقيع أبيه، وتوقيع آخر، لجميل ناصر، مختلف قليلًا في ميل الحروف.

أمسكت رانيا الورقة تحت العدسة. «هذا التوقيع الثاني مُقلَّد»، قالت بصوت منخفض. «انظر كيف تُرفع القلم في منتصف الحرف الأخير. من يوقّع بشكل طبيعي لا يرفع قلمه هناك.»

رفع طارق عينيه. «إلياس قاسم… هذا صاحب الخاتم الأخضر. كان يلبسه دائمًا. حتى في العزاء.»

٤. ما كُتب بالقلم الرصاص

بقي أمر واحد لم تفعله رانيا بعد: أن تقلب الصورة. على ظهرها، كانت بقعة الماء قد أكلت كل شيء، وبدا الورق أبيض أصفر لا حياة فيه. لكن رانيا كانت تملك ماسحًا خاصًّا بالأشعة تحت الحمراء، تستخدمه لإظهار ما يُمحى بالزمن.

وضعت الصورة تحت الضوء الخافت، وانتظرت. ثم بدأ خط رفيع يظهر، خطّ امرأة، بقلم رصاص، ذلك النوع من الكتابة الذي يُترك للعيون التي تعرف أين تنظر:

«إلى جميل: لأنك كنت هنا، وإن لم يرك أحد. سامحنا. سلوى.»

صمت طارق طويلًا. ثم قال بصوت لا يكاد يُسمع: «أرادت أن ترسلها إليه. كتبت له ولم ترسل.»

«وطلبت منك أن ترمّم الصورة لأجل التأبين»، قالت رانيا. «لكنها لم تكن تريدك أن ترى الوجهين. كانت تريدك أن ترى المرآة.»

٥. مطبعة النهضة

أخذ طارق الصندوق إلى المطبعة في اليوم التالي. كان إلياس قاسم، الذي صار شيخًا في الثانية والسبعين، يجلس خلف مكتب خشبي ضخم، والخاتم الأخضر ما زال في إصبعه. استقبله بابتسامة مرحبة، لكنها اختفت حين رأى الورقة المختومة.

«من أين لك هذا؟»

«من خزانة أبي. وصورة زفافه، حيث يجلس عمي جميل على مائدتك.»

لم يقل إلياس شيئًا. أسند ظهره إلى الكرسي ونظر إلى النافذة، ثم قال بصوت منكسر: «كان أبوك أضعف مما تظن يا بني. وجميل كان أقوى مما يجب. اكتشف أنني اقترضت باسم المطبعة وزوّرت توقيعه. قال إنه سيذهب إلى المصرف في الصباح. جئنا إلى أبيك في الليلة التي قبل الزفاف، وطلبنا منه أن يختار.»

«وماذا اختار؟»

«اختار أن لا يخسر المطبعة. ولا الزفاف. ولا الأمان.» ابتسم إلياس ابتسامة مريرة. «طلب من جميل أن يسافر، وأعطاه تذكرة ومبلغًا من المال. جاء جميل إلى الزفاف خفية، ليرى أخاه آخر مرة، ثم سافر تلك الليلة. وقلنا للناس إنه سافر قبلها. لم أقتل أحدًا. لكنني أخذت من رجل حياته.»

٦. وصية أم

جلس طارق في سيارته أمام المطبعة وقتًا طويلًا، ثم عاد إلى الاستوديو. وضع أمام رانيا ظرفًا لم تفتحه من قبل، وجده تحت وسادة أمه في المستشفى، عليه بخط مرتعش: «لطارق، بعد أن ترى الصورة.»

فتحاه معًا. كانت ورقة واحدة:

«يا ولدي، كنت أعرف كل شيء ولم أجرؤ. لم أستطع أن أقول لك الحقيقة بلساني، فتركتها تقولها بنفسها. اطلب من أحد يعرف كيف ينظر أن يرمم الصورة. الحقيقة في الزجاج دائمًا، لا في الوجوه. وإن بقي جميل حيًّا، قل له إن سلوى لم تنسه يومًا.»

أحنى طارق رأسه ولم يتكلم. كانت رانيا قد عرفت منذ زمن أن بعض الزبائن لا يأتون لتُرمَّم صورهم، بل ليُرمَّم شيء فيهم.

٧. مكالمة إلى مونتريال

وجدا العنوان على بطاقة معايدة قديمة في آخر الصندوق، عليها طابع كندي وعنوان في مونتريال، مكتوب بخط رجل لم يفقد الأمل في أن يُجاب. بحث طارق عن الرقم خمسة أيام. وفي المساء السادس، وهو يقف في شرفة الاستوديو والمطر يهمس على الحجارة، ضغط على الأزرار.

رنّ الهاتف ثلاث مرات. ثم جاء صوت رجل مسنّ، عميق، يتكلم بلهجة متعبة: «ألو؟»

تردد طارق. ثم قال: «عمي جميل؟ أنا طارق. ابن نبيل وسلوى.»

صمت طويل على الخط، ثم سمعت رانيا، من مكانها خلف الباب، صوتًا يشبه ضحكة وبكاءً معًا. «يا الله… ابن سلوى! كبرت! أترى؟» ثم بعد لحظة، بلهفة من انتظر ثمانية وعشرين عامًا: «هل ما زالت أمك تحتفظ بصورة الزفاف؟»

رفع طارق عينيه إلى رانيا، وابتسم ابتسامة مبللة بالدموع. وكانت الصورة، مرمّمة الآن، موضوعة على الطاولة، وفي مرآتها الصغيرة، رجل بشامة فوق حاجبه الأيسر، يرفع كأسه نحو الجميع، ويضحك.

💬 التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقًا.

استمتع بالقراءة← قصة أخرى